فصل: ذكر قصد التتر بلاد الإسلام

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تاريخ أبي الفداء **


 ذكر قصد التتر بلاد الإسلام

وفي هذه السنة عاودت التتر قصد بلاد الإسلام وسفكوا وخربوا مثلما تقدم ذكره وكان قد ضعف جلال الدين لقبح سيرته وسوء تدبيره ولم يترك له صديقاً من ملوك الأطراف وعادى الجميع وانضاف إلى ذلك أن عسكره اختلف عليـه لمـا حصـل لجلـال الديـن مـن فسـاد عقلـه وسببـه أنـه كـان لـه مملوك يحبه محبة شديدة واتفق موت ذلك المملوك فحزن عليه حزناً شديداً لم يسمـع بمثلـه وأمـر أهـل توريز بالخروج والنواح واللطم عليه ثم أنه لم يدفنه وبقي يستصحب ذلك المملوك الميت معه حيث سار وهو يلطم ويبكي وكان إذا قدم إليه الطعام يرسـل منـه إلـى المملوك الميت ولا يتجاسر أحد أن يتفوه أنه ميت فكانوا يحملون إليه الطعام ويقولون أنه يقبل الأرض وهو يقول‏:‏ إني الآن أصلح مما كنت فأنف أمراؤه من ذلك وخرج بعضهم عن طاعته فضعف أمر جلال الدين لذلك ولكسرته من الملك الأشرف فتمكنت التتر من البلاد واستولوا على مراغة وهو استيلاؤهم الثاني‏.‏

ذكر قتل جلال الدين ولما تمكن التتر من بلاد أذربيجان سار جلال الدين يريد ديار بكر ليسير إلى الخليفة ويلتجئ إليه ويعتضد بملوك الأطراف على التتر ويخوفهم عاقبة أمرهم فنزل بالقرب من آمد فلم يشعر إلا والتتر قد كبسوه ليلاً وخالطوا مخيسه فهرب جلال الدين وقتل على ما نشرحه إن شاء الله تعالى‏.‏

ولما قتل تمكنت التتر من البلاد وساقوا حتى وصلـوا فـي هـذه السنـة إلـى الفـرات واضطـرب الشـام بسبـب وصولهـم إلـى الفرات ثم شنوا الغارات في ديار بكر والجزيرة وفعلوا من القتل والتخريب مثلما تقدم‏.‏

ومـن تاريخ ظهور التتر تصنيف كاتب إنشاء جلال الدين النسوي المنشئ المقدم الذكر في سنة ست عشرة وستمائة ما اخترناه وأثبتنـاه مـن أخبـار خـوارزم شـاه محمـد وابنـه جلـال الديـن لملازمة النسوي المذكور جلال الدين في جميع سفراته وغزواته إلى أن كبس التتر جلال الدين والمنشئ المذكور كان معه فلذلك كان أخبر بأحوال جلال الدين ووالده من غيره‏.‏

قال محمد المنشئ المذكور‏:‏ إن خوارزم شاه محمد بن تكش عظم شأنه واتسع ملكه وكـان لـه أربعـة أولاد قسم البلاد بينهم أكبرهم جلال الدين منكبرني وفوض إليه ملـك غزنـة وباميـان والغـور وبسـت وتكابـاد وزميـزداور ومـا يليهـا من الهند‏.‏

وفوض خوارزم وخراسان ومازندران إلى ولده قطب الدين زلاغ شاه وجعله ولي عهده ثم في آخر وقت عزله عن ولاية العهد وفوضها إلى جلال الدين منكبرني وفوض كرمان وكبش ومكران إلى ولده غيـاث الديـن تبـز شاه وقد تقدمت أخباره‏.‏

وفوض العراق إلى ولده ركن الدين غورشاه يحيى وكان أحسن أولـاده خلقـاً وخلقـاً وقتـل المذكـور التتـر بعـد مـوت أبيه وضرب لكل واحد منهم النوب الخمس في أوقات الصلوات على عادة الملوك السلجوقية وانفرد أبوهم خوارزم شاه محمد بنوبة ذي القرنين وأنهـا تضرب وقتي طلوع الشمس وغروبها وكانت دبادبه سبعاً وعشرين دبدبة من الذهب قد رصعت بأنواع الجوهر وكذا باقي الآلات النوبتية وجعل سبعة وعشرين ملكاً يضربونها في أول يوم قرعت وكانوا من أكابر الملوك أولاد السلاطين منهم‏:‏ طغريل بن أرسلان السلجوقي وأولاد غياث الدين صاحب الغور والملك عـلاء الديـن صاحـب باميـان والملـك تـاج الديـن صاحـب بلخ وولده الملك الأعظم صاحب ترمذ والملـك سنجـر صاحـب بخـارا وأشباههـم وكانـت أم خوارزم شاه محمد تركان خاتون من قبيلة بباووت وهي فرع من فروع يمسك وكانت بنت ملـك مـن ملوكهـم تـزوج بهـا تكـش بـن أرسلان بن أطسز بن محمد بن أنوشتكين غرشه فلما صار الملـك إلـى ولـده محمـد بـن تكـش قدم إلى والدته تركان خاتون قبائل يمسك من الترك فعظم شأن ابنهـا السلطـان محمـد بهـم وتحكمـت أيضـاً بسببهم تركان خاتون في الملك فلم يملك ابنها إقليماً إلا وأفرد لخاصها منه ناحية جليلة وكانت ذات مهابة ورأي وكانـت تنتصـف للمظلـوم مـن الظالـم وكانت جسورة على القتل وعظم شأنها بحيث أنه إذا ورد توقيعان عنها وعن السلطان ابنها ينظر إلى تاريخهما فيعمل بالأخير منهما وكان طغر توقيعهما عصمة الدنيا والدين آلغ تركان ملكة نساء العالمين وعلامتها اعتصمت بالله وحده وكانت تكتبها بقلم غليظ وتجود الكتابة‏.‏

قال المؤلف المذكور‏:‏ ثم إن خوارزم شاه محمد لما هرب من التتر بما وراء النهر وعبر جيحون ثم سار إلى خراسان والتتر تتبعه ثم هرب من خراسان ووصل إلى عراق العجم ونزل عند بسطام أحضر عشرة صناديق ثم قال إنها كلها جواهر لا تعلم قيمتها ثم أشار إلى صندوقين منهـا وقـال‏:‏ إن فيهمـا مـن الجواهـر ما يساوي خراج الأرض بجملتها ثم أمر بحملها إلى قلعة أزدهن وهي من أحصن قلاع الأرض وأخذ خط النائب بها بوصول الصناديق المذكورة مختومة فلما استولى جنكزخان على تلك البلاد حملت إليه الصناديق المذكورة بختومها ثم إن التتر أدركوا السلطان محمد المذكور فهرب وركب في المركب ولحقه التتر ورموه بالنشاب ونجا السلطان منهـم وقـد حصـل لـه مـرض ذات الجنب قال‏:‏ ووصل إلى جزيرة في البحر وأقام بها فريداً طريداً لا يملك طارفاً ولا تليداً والمرض يزداد وكان في أهل مازدران أناس يتقربون إليه بالمأكول وما يشتهيـه فقـال فـي بعـض الأيـام‏:‏ أشتهي أن يكون عندي فرس يرعى حول خيمتي وقد ضربت له خيمة صغيرة فأهدي إليه فرس أصفر وكان للسلطان محمد المذكور ثلاثون ألف جشار من الخيل وكان إذا أهدى إليه أحد شيئاً وهو على تلك الحالة في الجزيرة من مأكول وغيره يطلق لذلـك الشخص شيئاً ولم يكن عنده من يكتب التواقيع فيتولى ذلك الرجل كتابة توقيعه بنفسه وكان يعطي مثل السكين والمنديل علامة بإطلاق البلاد والأموال فلما تولى ابنـه جلـال الديـن أمضـى جميـع مـا أطلقـه والـده بالتواقيـع والعلائـم ثم أدركت السلطان محمد المنية وهو بالجزيرة على تلك الحالة فغسله شمس الدين محمود بن بلاغ الجاويش ومقرب الدين مقدم الفراشين ولم يكن عنـده مـا يكفن به فكفن بقميصه ودفن بالجزيرة في سنة سبع عشرة وستمائة بعد أن كان بابه مزدحـم ملـوك الـأرض وعظمائها يشتدون بجنابه ويتفاخرون بلثم ترابه‏.‏

ورقى إلى درجة الملوكية جماعة من مماليكه وحاشيته فصار طشتـداره وركبـداره وسلحـداره وجنـداره وغيرهـم مـن أرباب الوظائف كلهم ملوكاً وكان في أعلامهـم علامـات سـود يعرفـون بهـا فعلامـة الـدوادار الـدواه والسلحـدار القوس وعلامة الطشتدار المسينة والحمدار النفجة وعلامة أميراخور النعل وعلامة الجاويشية قبة ذهب وكان يمد السماط بين يديه ويأكل الناس ويرفع من الطعام الـذي فـي صـدر السمـاط إلـى بيـن يـدي الأكابـر إذا قعدوا على السماط للأكل وكانت الزبادي كلها ذهبية وفضية وكان السلطان محمد المذكور يختص بأمور لا يشاركه فيها أحد منها‏.‏

المجتـر منشوراً على رأسه إذا ركب ومنها اللكح وهي أنبوبة تتخذ من الذهب الأحمر بين أذنـي مركوب السلطان يخرج منها المعرفة وتشد إلى طـرف اللجـام ومنهـا الأعلـام السـود والسـروج السـود والنفـج السـود محمولـة علـى أكتـاف الجمداريـة ولا تحمـل لغيـره على الكتف ومنها ن جنايبه كانت تجر قدامه وجنايب غيره من الملوك كانت تجر وراءهـم ومنهـا أن أذنـاب خيلـه تلف من أوساطها مقدار شبرين ومنها الجلوس بين يديه على الركبتين لمن يريد مخاطبته‏.‏

قال المؤلـف المذكور‏:‏ ثم سار جلال الدين بعد موت أبيه السلطان محمد من الجزيرة إلى خوارزم ثم هرب من التتر ولحق بغزنة وجرى بينه وبين التتر من القتال ما تقدم ذكره‏.‏

وسـار إليـه جنكزخان فهرب جلال الدين من غزنة إلى الهند فلحقه جنكزخان على ماء السند وتصاففا صبيحة يوم الأربعاء لثمان خلون من شوال سنة ثمان عشرة وستمائة وكانت الكرة أولاً على جنكزخان ثم عادت على جلال الدين وحال بينهما الليل وولى جلال الدين منهزماً وأسـر ولـد جلـال الدين وهو ابن سبع أو ثمان سنين وقتل بين يدي جنكزخان صبراً‏.‏

ولما عاد جلال الدين إلى حافة ماء السند كسيراً رأى والدته وأم ولده وجماعة من حرمه يصحن بالله عليك اقتلنا أو خلصنا من الأسر فأمر بهن فغرقن وهذه من عجايب البلايا ونوادر المصائب والرزايا‏.‏

ثم اقتحم جلال الدين وعسكره ذلك النهر العظيم فنجا منهم إلى ذلك البر تقدير أربعة آلاف رجـل حفـاة عـراة ورمـى الموج جلال الدين مع ثلاثة عن خواصه إلى موضع بعيد وفقده أصحابه ثلاثة أيام وبقي أصحابه لفقده حائرين وفي تيه الفكر سائرين إلى أن اتصل بهم جلال الدين فاعتدوا بمقدمه عيداً وظنوا أنهم انشواً خلفاً جديداً ثم جرى بين جلال الدين وبين أهل تلك البلاد وقائع انتصر فيها جلال الدين ووصل إلى لهاوور من الهند ولما عزم جلال الدين على العود إلى جهة العراق استناب بهلوان أزبك على ما كان يملكه من بلاد الهند واستناب معه حسن قراق ولقبه وفاء ملك وفي سنة سبع وعشرين وستمائة طرد وفاء ملك بهلوان أزبك واستولى وفاء ملك على ما كان يليه البهلوان من بلاد الهند‏.‏

ثـم إن جلال الدين عاد من الهند ووصل إلى كرمان في سنة إحدى وعشرين وستمائة وقاسى هو وعسكره في البراري القاطعة بين كرمان والهند شدائد ووصل معه أربعة آلاف رجل بعضهم ركاب أبقار وبعضهم ركاب حمير ثم سار جلال الدين إلى خورستان واستولى عليها ثم استولى على أذربيجان ثم استولى على كنجة وسائر بلاد آران ثم إن جلال الدين نقل أباه من الجزيرة إلى قلعة أزدهن ودفنه بها ولما استولى التتر على القلعة المذكورة نبشوه وأحرقوه وهذا كان فملهم في كل ملك عرفوا قبره فإنهم نبشوا محمود بن سبكتكين من غزنة وأحرقوا عظامه ثم ذكر ما تقدمت الإشارة إليه من استيلاء جلال الدين على خلاط وغير ذلك ثم ذكر له على جسر قريب آمد وإرساله يستنجد الملك الأشرف ابن الملك العادل فلم ينجده وعزم جلال الدين على المسير إلى أصفهان ثم انثنى عزمه عنه وبات بمنزله وشرب تلك الليلة فسكر سكراً خماره دوار الرأس وتقطع الأنفاس وأحاط التتر به وبعسكره مصبحين‏.‏

فساهم وبسطهم حرير وصبحهـم وبسطهـم تـراب ومن في كفه منهـم قنـاة كمـن فـي كفـه منهم خضاب وأحاطت أطلاب التتر بخركاة جلال الدين وهو نائم سكران فحمل بعض عسكره وهو أرخان وكشف التتر عن الخركاة ودخل بعض الخواص وأخذ بيد جلال الدين وأخرجه وعليه طاقية بيضاء فأركبه الفرس وساق أرخان مع جلـال الديـن وتبعـه التتـر فقـال جلـال الديـن لأرخـان انفرد عني بحيث تشتغل التتر يتبع سوادك وكان ذلك خطأ منه فإن أرخان تبعه جماعة من العسكر وصاروا تقدير أربعة آلاف فارس وقصـد أصفهـان واستولـى عليهـا مـدة ولمـا انفـرد جلال الدين عن أرخان ساق إلى باسورة آمد فلم يمكن من الدخول إلى آمد فسار إلى قرية مـن قـرى ميافارقين طالباً شهاب الدين غازي بن الملك العادل صاحب ميافارقين ثم لحقه التتر في تلك القرية فهرب جلال الدين إلى جبل هناك وبه أكراد يتخطفون الناس فأخذوه وشلحوه وأرادوا قتله‏.‏

فقال جلـال الديـن لأحدهـم إنـي أنـا السلطـان فاستبقنـي أجعلـك ملكـاً فأخـذه الكردي وأتى به إلى امرأته وجعله عندها ومضى الكردي إلى الجبل لإحضار ما له هناك فحضر شخص كردي ومعه حربة وقال للامرأة لم لا تقتلون هذا الخوارزمي فقالت المرأة‏:‏ لا سبيل إلى ذلك فقد أمنه زوجي‏.‏

فقال الكردي‏:‏ إنه السلطان وقد قتل لي أخاً بخلاط خيراً منه وضربه بالحربة فقتله‏.‏

وكان جلال الدين أسمر قصيراً تركي السارة والعبـارة وكـان يتكلـم بالفارسيـة أيضـاً ويكاتـب الخليفة على مبدأ الأمر على ما كان يكاتبه به أبوه خوارزم شاه محمد فكان يكتب خادمه المطواع منكبرني ثم بعد أخذ خلاط كاتبه بعبده وكان يكتب إلى ملك الروم وملوك مصـر والشام اسمه واسم أبيه ولم يرض أن يكتب لأحد منهم خادمه أو أخوه أو غير ذلك وكانت علامته على تواقيعه النصرة من الله وحده وكان إذا كاتب صاحب الموصل أو أشباهه يكتب له هذه العلامة تعظيماً عن ذكر اسمـه وكـان يكتـب العلامـة بقلـم غليـظ وكـان جلـال الديـن يخاطب بخذاوند عالم أي صاحب العالم وكان مقتله في منتصف شوال من هذه السنة أعني سنة ثمان وعشرين وستمائة وهذا ما نقلناه من تاريخ محمد المنشئ وهو ممن كان في خدمة جلال الدين إلى أن قتل وكان كاتب الإنشاء الذي له وكان محظياً متقدماً عنده‏.‏

ذكر غير ذلك وفـي هـذه السنـة انتهى التاريخ الكامل تأليف الشيخ عز الدين علي المعروف بابن الأثير الجزري المنقـول غالـب هـذا المختصـر منـه فإنه ألفه من هبوط آدم إلى سنة ثمان وعشرين وستمائة وتوفي عز الدين ابـن الأثيـر المذكـور فـي سنـة ثلاثيـن وستمائـة علـى مـا سنذكـره إن شـاء اللـه تعالـى بعـد آخـر تاريخه بسنتين‏.‏

وفيها في ذي القعدة توفي بالقاهرة أبو الحسن يحيى بن عبد المعطي بن عبد النور الزواوي النحوي الحنفي كان أحد أئمة عصره في النحو واللغة وسكن دمشق زماناً طويلاً وصنف تصانيـف مفيـدة منهـا‏:‏ منظومتـة الألفيـة المشهـورة وكـان مولـده سنـة أربـع وستيـن وخمسمائة

  ثم دخلت سنة تسع وعشرين وستمائة

والسلطانان الكامل والأشرف بالديار المصرية والملك المظفر بحماة مالكها ومعها المعرة وأخـوه الملـك الناصـر قليـج أرسلـان‏.‏

بباريـن مالكهـا والعزيـز محمد ابن الظاهر غازي قد استقل بملك حلب والتتـر قـد استولـوا علـى بلـاد العجـم كلهـا والخليفة المستنصر بالعراق‏.‏

ثم ارتحل في هذه السنة الملك الكامل وأخوه الملك الأشرف من ديار مصر وسارا إلى البلاد الشرقية فسار الملك الكامل إلى الشوبك واحتفل له الملك الناصر داود ابن المعظم عيسى ابن الملك العادل أبي بكر بن أيوب احتفالاً عظيماً بالضيافات والإقامات والتقادم وحصل بينهما الاتحـاد التـام وكـان نزول الملك الكامل باللجون قرب الكرك وهي منزله الحجاج في العشر الأخير من شعبان هذه السنة ووصل إليه باللجون صاحب حماة الملك المظفر محمود ملتقياً وسافر الناصر داود مع الملك الكامل بعسكره إلى دمشق واستصحب الملك الكامل معه ولده الملك الصالـح نجـم الديـن أيـوب وجعـل نائبـه بمصـر ولـده وولـي عهده الملك العادل سيف الدين أبا بكر ابن الملك الكامل ابن الملك العادل أبي بكر بن أيوب‏.‏

ثـم سـار الملـك الكامـل ونـزل سلميـة واجتمـع معـه ملـوك أهل بيته في جمع عظيم ثم سار بهم إلى آمد وحصرها وتسلمها من صاحبها الملك المسعود ابن الملك الصالح محمود بن محمد بن قرا أرسلان بن داود بن سقمان بن أرتق ومحمد بن قرا أرسلان المذكور هو الذي ملكه السلطان صلاح الدين آمد بعد انتزاعها من ابن نيسان وكان سبب انتزاع الملك الكامل آمد من الملك المسعود المذكور لسوء سيرة الملك المسعود وتعرضه لحريم الناس وكان له عجوز قوادة يقال لها الأزا كانت تؤلف بينه وبين نساء الناس الأكابر ونساء الملوك ولما نزل الملك المسعود إلى خدمة الملك الكامل وسلم آمد وبلادها إليه ومن جملة معاقلها حصن كيفـا وهـو فـي غايـة الحصانـة أحسـن الملـك الكامل إلى الملك المسعود وأعطاه إقطاعاً جليلاً بديار مصر ثم بدت منه أمور اعتقله الملك الكامل بسببها‏.‏

ولم يزل الملك المسعود معتقلاً إلى أن مـات الملـك الكامـل فخـرج مـن الاعتقـال واتصـل بحمـاة فأحسن إليه الملك المظفر محمود صاحب حماة ثم سافر الملك المسعود المذكور إلـى الشـرق واتصل بالتتر فقتلوه ولما تسلم الملك الكامل آمد وبلادها رتب فيها النواب من جهته وجعل فيهـا ولـده الملـك الصالـح أيـوب ابـن الملـك الكامـل وجعـل معـه شمـس الديـن صـواب العادلـي وخرجت هذه السنة والملك الكامل بالشرق ولما خرج الملك الكامل من مصر في هذه السنة خرج صحبته بنتاه فاطمة خاتون زوجة الملك العزيز صاحب حلب وغازية خاتون زوجـة الملك المظفر صاحب حماة بنتا الملك الكامل وحملت كل منهما إلى بعلها واحتفل لدخولهمـا وفي هذه السنة ظناً توفي علي بن رسول النائب على اليمن واستقر مكانه ولده عمر بن علي‏.‏

  ثم دخلت سنة ثلاثين وستمائة

في هذه السنة رجع السلطان الملك الكامل من البلاد الشرقية بعد ترتيب أمورها وسار إلى ديار مصر ورجع كل ملك إلى بلده‏.‏

الاستيلاء على شيزر ذكر استيلاء الملك العزيز محمد بن الظاهر صاحب حلب على شيزر وكانت شيزر بيد شهاب الدين يوسف بن مسعود بن سابق الدين عثمان ابن الداية وكان سابق الدين عثمان ابن الداية المذكور وإخوته من أكابر أمراء نور الدين محمود بن زنكي ثم اعتقل الملك الصالح إسماعيل بن نور الدين الشهيد سابق الدين عثمان ابن الداية وشمس الدين أخاه فأنكر السلطان صلاح الدين عليـه ذلـك وجعلـه حجـة لقصـد الشـام وانتزعـه مـن الملـك الصالح إسماعيل فاتصل أولاد الدايـة بخدمـة السلطـان صلـاح الديـن وصـاروا مـن أكبـر أمرائـه وكانت شيزر إقطاع سابق الدين المذكور فأقره السلطان صلاح الدين عليها وزاده أبا قبيس لما قتل صاحبها خمار دكن ثم ملك شيزر بعده ولده مسعود بن عثمان حتى مات وصارت لولـده شهاب الدين يوسف المذكور إلى هذه السنة فسار الملك العزيز صاحب حلب بأمر لملك الكامل وحاصر شيـزر وقـدم إليـه وهـو علـى حصارهـا الملـك المظفـر محمـود صاحـب حمـاة مساعـداً لـه فسلـم شهـاب الديـن يوسـف شيـزر إلـى الملـك العزيـز ونـزل إلـي خدمتـه فتسلمها في هذه السنة وهنأ الملك العزيز يحيى بن خالد بن قيسراني بقوله‏:‏ يا مالكاً عم أهل الأرض نائله وخص إحسانه الداني مع القاصي لما رأت شيزر آيات نصرك في أرجائها ألقت العاصي إلى العاصي ثـم ولـي الملـك العزيـز علـى شيزر وأحسن إلى الملك المظفر محمود صاحب حماة ورحل كل منهما إلى بلده‏.‏

وفي هذه السنة استأذن الملك المظفر محمود صاحب حماة الملك الكامل في انتزاع بارين من أخيه قليج أرسلان لأنه خشي أن يسلمها إلى الفرنج لضعف قليج أرسلان عن مقاومتهم فأذن الملك الكامل له في ذلك فسار الملك المظفر من حماة وحاصر بارين وانتزعها من أخيه قليج أرسلان ابن الملك المنصور محمد ابن الملك المظفر تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب ولما نـزل قليـج أرسلـان إلـى أخيـه الملـك المظفـر أحسن إليه وسأله في الإقامة عنده بحماة فامتنع وسار إلى مصر فبذل له الملك الكامل إقطاعاً جليلاً وأطلق له أملاك جده بدمشق ثم بدا منه ما لا يليـق من الكلام فاعتقله الملك الكامل إلى أن مات قليج أرسلان المذكور في الحبس سنة خمس غير ذلك من الحوادث‏:‏ فـي هـذه السنـة توفـي مظفـر الديـن كوكبـوري بـن زيـن الديـن علـي كجـك‏.‏

وقد تقدم ذكر ملكه أربل بعـد مـوت أخيـه نـور الديـن يوسـف بـن زيـن الديـن علـي فـي سنـة سـت وثمانيـن وخمسمائـة لمـا كانا في خدمة السلطان صلاح الدين في الجهاد بالساحل فبقي مالكها من تلك السنة إلى هذه السنة ولمـا مـات مظفـر الديـن المذكـور لـم يكـن لـه ولـد فوصـى بأربـل وبلادهـا للخليفـة المستنصر فتسلمها الخليفة بعد موت مظفر الدين المذكور وكان مظفر الدين ملكاً شجاعاً وفيه عسف فـي استخـراج الأمـوال مـن الرعيـة وكـان يحتفـل بمولـد النبـي صلى الله عليه وسلم وينفق فيه الأموال الجليلة‏.‏

وفيهـا فـي شعبـان توفـي الشيـخ عـز الديـن علـي بـن محمـد بـن عبـد الكريم بن عبد الواحد الشيباني المعروف بابن الأثير الجزري ولد بجزيرة ابن عمر في رابع جمادى الأولى سنة خمس وخمسين وخمسمائة ونشأ بها ثم صار إلى الموصل مع والده وإخوته وسمع بها من أبي الفضل عبد الله بن أحمد الخطيب الطوسي ومن في طبقته وقدم بغداد مراراً حاجاً ورسولاً من صاحب الموصل وسمع من الشيخين يعيش بن صدقة وعبد الوهاب بن علي الصوفي وغيرهما ثم رحـل إلـى الشـام والقـدس وسمـع هنـاك مـن جماعـة ثـم عـاد إلـى الموصـل وانقطـع في بيته للتوفير على العلم وكان إماماً في علم الحديث وحافظاً للتواريخ المتقدمة والمتأخرة وخبيراً بأنساب العرب وأخبارهم وصنف في التاريخ كتاباً كبيراً سماه الكامل وهو المنقول منه غالب هذا المختصر ابتدأ فيه من أول الزمان إلى سنة ثمان وعشرين وستمائة وله كتاب أخبار الصحابة في ست مجلدات واختصر كتاب الأنساب للسمعاني وهو الموجود في أيدي الناس دون كتاب السمعاني وورث إلى حلب في سنة ست وعشرين وستمائة ثم سافر ونزل عند الطواشي طغريـل الأتابـك بحلـب فأكرمه إكراماً زائداً ثم سافر إلى دمشق سنة سبع وعشرين ثم عاد إلى حلـب فـي سنـة ثمـان وعشريـن ثـم توجـه إلـى الموصل فتوفي بها في التاريخ المذكور ونسبة الجزيرة إلـى ابـن عمـر وهـو رجـل من أهل برقعيد من أعمال الموصل اسمه عبد العزيز بن عمر بنى هذه المدينة فأضيفت إليه‏.‏

  ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين وستمائة

فـي هـذه السنـة فـي المحـرم توفـي شهـاب الديـن طغريـل الأتابـك بحلب‏.‏

مسير السلطان الملك الكامل من مصر إلى قتال كيقباذ في هذه السنة وقع من كيقباذ بن كيخسرو ملك بلاد الروم التعرض إلى بلاد خلاط فرحل الملـك الكامـل بعساكـره مـن مصـر واجتمعـت عليـه الملـوك من أهل بيته ونزل شمالي سلمية في شهر رمضان من هذه السنة ثم سار بجموعه ونزل على النهر الأزرق في حدود بلد الروم وقد ضـرب فـي عسكـره ستـة عشر دهليزاً لستة عشر ملكاً في خدمته منهم إخوته الملك الأشرف موسى صاحب دمشق والملك المظفر غازي صاحب ميافارقين والملك الحافظ أرسلان شاه صاحـب قلعـة جعبـر والصالـح إسماعيـل أولـاد الملـك العـادل والملـك المعظـم تـوران شاه ابن السلطان صلاح الدين كان قد أرسله ابن أخيه الملك العزيز صاحب حلب مقدماً على عسكر حلب إلى خدمة السلطان الملك الكامل والملك الزاهر صاحب البيرة داود ابن السلطان صلاح الدين وأخوه الملك الأفضل موسى صاحب صميصات ابن السلطـان صلـاح الديـن وكـان قـد ملكها بعد أخيه الملك الأفضل علي والملك المظفر محمود صاحب حماة ابـن الملـك المنصـور محمد والملك الصالح أحمد صاحب عينتاب ابن الملك الظاهر صاحب حلب والملك الناصر داود صاحـب الكـرك ابن الملك المعظم عيسى ابن الملك العادل والملك المجاهد شيركوه صاحب حمص ابن محمد بن شيركوه‏.‏

وكان قد حفظ كيقباذ عك بلاد الروم الدربندات بالرجال والمقاتلة فلم يتمكن السلطان مـن الدخـول إلـى بلـاد الـروم من جهة النهر الأزرق وأرسل بعض العسكر إلى حصن منصور وهو من بلاد كيقباذ فهدموه ورحل السلطان وقطع الفرات وسار إلى السويـداء وقـدم جاستـه تقديـر ألفين وخمسمائة فارس مع الملك المظفر صاحب حماة فسار الملك المظفر بهم إلـى خرتبـرت وسار كيقباذ ملك الروم إليهم واقتتلوا فانهزم العسكر الكاملي وانحصر الملك المظفر صاحب حماة في خرتبرت مع جملة من العسكر وجد كيقباذ في حصارهم والملك الكامل بالسويداء وقد أحس من الملوك الذين في خدمته بالمخامرة والتقاعد فإن شيركوه صاحب حمص سعى إليهم وقال‏:‏ إن السلطان ذكر أنه متى ملك بلاد الروم فرقه على الملوك من أهل بيته عوض ما بأيديهم من الشام ويأخذ الشام جميعه لينفرد بملك الشام ومصر فتقاعدوا عن القتال وفسدت نياتهم وعلم الملك الكامل بذلك فأمكنه التحـرك إلـى قتـال كيقبـاذ لذلـك ودام الحصـار علـى الملك المظفر صاحب حماة فطلب الأمان فأمنه كيقباذ ونزل إليه الملك المظفر فأكرمـه كيقبـاذ وخلع عليه ونادمه وتسلم كيقباذ خرتبـرت وأخذهـا مـن صاحبهـا وكـان مـن الأرتقيـة قرايـب أصحاب ماردين وكان قد دخل في طاعة الملك الكامل وصارت خرتبرت من بلاد كيقباذ وكان نزول المظفر صاحب حماة من خرتبرت يوم الأحد لسبع من ذي القعدة وأقام عند كيقباذ يومين ثم أطلقه وسار من عنده لخمس بقين من ذي القعدة من هذه السنة أعني سنة إحدى وثلاثين وستمائة ووصل بمن معه إلى الملك الكامل وهو بالسويداء من بلاد آمد ففرح به وقوى نفرة السلطان الملك الكامل يومئذ من الناصر داود صاحب الكرك فألزمه بطلاق بنته فطلقهـا الناصر في داود وأثبت الملك الكامل طلاقها منه‏.‏

وفي هذه السنة استتم بناء قلعة المعرة وكان قد أشار سيف الدين علـي بـن أبـي علـي الهذباني على الملك المظفر صاحب حماة ببنائها فبناها وتمت الآن وشحنها بالرجال والسلاح ولم يكن ذلك مصلحة لأن الحلبيين حاصروها فيما بعد وأخذوها وخرجت المعرة بسببها‏.‏

وفي هذه السنة توفي سيف الدين الآمدي وكان فاضلاً في العلوم العقلية والأصولين وغيرها واسمه علي بن أبي محمد بن سالم الثعلبي وكان في مبتدأ أمره حنبلياً ثم انتقل وصار فقيهاً شافعياً واشتغل بالأصول وصنف في أصول الفقـه وأصـول الديـن والمعقولـات عـدة مصنفـات وأقـام بمصر مدة وتصدر في الجامع وفي المدرسة الملاصقة لتربة الشافعي وتحامل عليه الفقهاء الفضلاء وعملوا محضراً ونسبوه فيه إلى انحلال العقيدة ومذهب الفلاسفة وحملوا المحضر إلى بعض الفقهاء الفضلاء ليكتب خطه حسبما وضعوا خطوطهم به فكتب‏:‏ حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه فالقوم أعداء له وخصوم ولما جرى ذلك استتر الآمدي المذكور وسار إلى حماة وأقام فيها مدة ثم عاد إلى دمشق حتى توفي بها في هذه السنة وكانت ولادته في سنة إحدى وخمسين وخمسمائة‏.‏

وفيهـا توفـي الصلـاح الأربلـي وكـان فاضـلاً شاعـراً أميـراً محظيـاً عند الملكين الكامل والأشرف ابني الملك العادل‏.‏